ابن الجوزي

265

زاد المسير في علم التفسير

- ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يكن ولك الشكر - أراد : ما تقدر ، وهذا مذهب الزجاج . والثاني : فلا فظن أن لن نضيق عليه ، ومقدر عليه ، ومقتر عليه ، ومنه قوله تعالى : * ( فقدر عليه رزقه ) * أي : ضيق عليه الخروج ، فكأنه ظن أن الله تعالى قد وسع عليه ، إن شاء أن يقيم ، وإن شاء أن يخرج ، ولم يؤذن له في الخروج . والثالث : أن المعنى : أفظن أنه يعجز ربه ، فلا يقدر عليه ، رواه عوف عن الحسن . وقال ابن زيد ، وسليمان التيمي : المعنى : أفظن أن لن نقدر عليه ; فعلى هذا الوجه يكون استفهاما قد حذفت ألفه ; وهذا الوجه يدل على أنه من القدرة ، ولا يتصور إلا مع تقدير الاستفهام ، ولا أعلم له وجها إلا أن يكون استفهام إنكار ، تقديره : ما ظن عجزنا ، فأين يهرب منا ؟ ! قوله تعالى : * ( فنادى في الظلمات ) * فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنه ظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ، وظلمة الليل ، قاله سعيد بن جبير ، وقتادة ، والأكثرون . والثاني : أن حوتا جاء فابتلع الحوت الذي هو في بطنه ، فنادى في ظلمة حوت ، ثم في ظلمة حوت ، ثم في ظلمة البحر ، قاله سال بن أبي الجعد . والثالث : أنها ظلمة الماء ، وظلمة معاء السمكة ، وظلمة بطنها ، قاله ابن السائب . وقد روى سعد بن أبي وقاص عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قال : " إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه ، كلمة أخي يونس فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " . قال الحسن : وهذا اعتراف من يونس بذنبه وتوبة من خطيئته . قوله تعالى : * ( فاستجبنا له ) * أي : أجبناه * ( ونجيناه من الغم ) * أي : من الظلمات * ( وكذلك ننجي المؤمنين ) * إذا دعونا . وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ : " نجي المؤمنين " بنون واحدة مشددة الجيم ; قال الزجاج : وهذا لحن لا وجه له ، وقال أبو علي الفارسي : غلط الراوي عن عاصم ، ويدل على هذا إسكانه الياء من " نجي " ونصب " المؤمنين " ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن الياء ، ولرفع " المؤمنين " .